
تفاصيل العرس في قريتي قبل عقود من الزمان
طريقة الزواج في قريتي قبل عقود من السنوات
بعد أن يحدد الشخص البنت التي يرغب الإقتران بها، يبدأون جميعا ( الآخذ والمعطي ) في مفاوضات طويلة وشروط قاسية جدا حتى يتحدد المهر وتكتمل الضوابط التي تسبق العرس مثل إجراء عملية الصلح ، ثم إجراء عملية ( المبدى ) ودفع كامل المهر وتقديم الصيغة من معدن الفضّة مثل الخواتم والمعاضد والحرز والقلائد والقطفة وحزام الفضة العادي وأحيانا حزام الرعّاد إذا كانت الشروط قاسية جدا على الخاطب .
كان المتزوج في أيام زواجه يصطحب معه أهل قريته من الرجال ويذهبون إلى أهل قرية العروس ووصولهم إلى القرية المضيفة عادة بعد صلاة العصر مباشرة . كان الرجال من الطرفين يحملون البنادق ويتحزّمون بأحزمة جلدية يطلق عليها ( مسابت ) تضم رصاصات كافية لهذا الاحتفال .
قبل أن يتقابل الصفان ينشد القادمون بصوت عال وبصورة جماعية قصيدة تقال لهذه الغاية ، وهي غالبا كلمات مديح للطرفين ، وأثناء ترديد القصيدة من مسافة نصف كيلو متر تقريبًا يخرج بالتتابع من كل صف ( الصف الضيف والصف المستضيف )اثنان ويسيران حتى يواجها الصف المقابل ويطلقا عيارين ناريين وتتكرر تلك الفعلة حتى يصبح الصفان على مسافة 20 مترًا تقريبًا من بعضهما. يتقدم بعد ذلك اثنان من المستضيفين ثم يصدحان بصوت عال ( مرحبًا بكم )( أرحبوا يا ضيفان أرحبوا ) ... يرد كبير الضيوف ويقول عافيكم ، سلام عليكم، فيرد كبير المستضيفين قائلا وعليكم السلام . كيف أنتوا ؟ فيرد الضيف عافيكم ، فيقول المستضيف طيبين فيرد الضيف ... طاب الله فيكم ، ثم يقول الضيف كيف أنتوا ؟ فيرد المستضيف عافيكم، ثم يقول الضيف طيبين ؟ فيرد المستضيف ... طاب الله فيكم، ثم يقول المستضيف مرحبًا الله يحيكم ..امرقوا . بمعنى تفضلوا بالدخول . قبل أن يتفضل الضيوف بالدخول يتقدم شخص من المستقبلين ويطلب من الضيوف البقاء مكانهم ، وهو حامل في يده مجموعة عصيّ ، كل عصا لشخص معروف من المستضيفين ، ثم يقول تقسموا ( توزّعوا ) بعدد العصوات المحمولة . فيخرج رجل من الضيوف ويبدأ في عد جماعته، ثم يقسمهم بعدد العصيّ ، فيعطي كبير كل مجموعة ( فَرْق ) إحدى العصيّ ، فيقول كبير المجموعة من صاحب هذه العصا ؟ فيقول صاحب العصا الحقوني .
تسمى تلك المجموعات ( فروق ) وواحدها فرق . بعد أن يصل أفراد المجموعة بيت المضيف يكثر الترحاب بهم ويكون البخور قد ملأ جوّ المجلس رائحة عبقة وتكون النار متوهجّة في الصلل ( مكان إشعال النار في المجلس ) والأباريق المصنوعة من النحاس تقريبا والمملوءة بالماء إلى جوار النار تغلي ، والضحية هي تلك المرأة المسكينة التي في ( المطبخ ) تخبز وتعرك ( تفرك ) الخبز وتسخن السمن وتهش الأذبّة عن السمن والعجين والعريكة . وأقول مسكينة لأنها تصنع طعاما لأناس جياع ومتلهّفين لالتهام طعام دسم قد مرّ دهر عليهم من دون أن يظفر أحدهم بلقمة من مثل هذا الطعام . يقدم صاحب البيت لهم البرّ والسمن. بعد ذلك يخرج أفراد كل مجموعة للتمشية حول المزارع والآبار والبيوت ثم يصلّون المغرب ويدخلون جميعا على صاحب الشأن ( والد أو قريب العروس) فيقدم لهم لحما وعصيدة ومرقا كوجبة عشاء رئيسة ، وهذه الوجبة تُقدّم بهذه الصورة قبل أن يتوفّر طعام الأرز في المنطقة بكميات كافية .
حين توزيع اللحم ( القسمة ) يطلب كبير كل ( فرق ) الذي تم تحديده في العصر من الضيوف القادمين من مقسّم اللحم ( موزّعه ) أن يعطيه قسما من اللحم ، قائلا (عندي نبّ ) فيستجيب موزع اللحم ويعطيه. ويخصص ذلك القسم من قبل كبير الفرق للمضيف الذي استضافهم عصرا ، وأحيانا قد تكون في القرية المضيفة إمرأة متزوجة من أهل قرية االضيوف فيكون لزاما على الضيفوف أن يخصوا تلك المرأة بشيء من تلك الوجبة الدسمة .
وللمعلومية النساء لا يحضرن هذه المناسبات البتّة .
بعد أن يأكلوا ويؤدوا صلاة العشاء ويتسامروا يعود أفراد كل ( فرق ) إلى بيت مضيفهم خلال العصر ليناموا .
الإضاءة خافتة والإمكانات متواضعة جدا والمفارش قليلة وبالية ، ومع ذلك يتسامر الجميع بإلقاء الدعابات والقصص وذكر البطولات ثم يخلدون إلى النوم . قبل أذان الفجر يستيقظ الجميع ، فيذهب الرجال إلى المسجد ، وتتجه ربة المنزل إلى ( مسقفها ) المطبخ فتشب النار وتصلح القهوة قبل أن يعودوا من المسجد ، وبعد عودتهم يحتسون القهوة ، وربة البيت تعيد طبخ اللحم ( القسم الذي طلبه كبير الفرق وقت العشاء) وتصنع مع ذلك خبزا ، ثم يتناول الضيوف وجبة تسمى( المفوّر) وتتكون من الخبز واللحم وهي وجبة لذيذة .
تأتي نساء أهل القرية إلى منزل العروس حوالي الساعة الثامنة صباحا لتأدية فصل تطريبي وداعا للعروس وتهنئة لها وهو ما يسمى ( بالدهل ) ويهدونها ما تيسر من الهدايا ( بطانيات وفلوس وخواتم فضة .. ) ثم تدخل النساء في طرب ( لعب وغناء ) من التاسعة صباحا إلى أذان صلاة الظهر ( تقريبا ).
بعد أن يتناول الجميع الغداء في بيت أهل العروس ، يوجّه كبار الضيوف الدعوة إلى رجال القرية ( المضيفين )للحاق بهم في نفس اليوم أو اليوم الذي يليه، فيرد كبيرهم بقوله الرأي الأول والأخير لولي أمر العروس والنتيجة معروفة مسبقا مثل قول القائل ( كما تدين تدان ) .
يكون خروج العروس صعبًا ، حيث يتحتم أن يقوم المتزوج بتقديم ما يسمى ( بالكسوة ) لأقارب العروس من النساء ، وقد يتدخل والد العروس في النقاش ويطول المقام بالجانبين حتى يتم الرضى .
يعود المتزوج ومعه عروسه حاملا إياها في هودج على جمل ، ويسير حول الهودج جماعة المتزوج حتى يصلوا إلى البيت .
بعد ساعة أو أكثر يصل جماعة وليّ أمر البنت المتزوجة من الرجال فقط وبنفس الطريقة ويحلّون ضيوفا لمدة يومين ونصف تقريبا على المتزوج وأهله وجماعته . وكما حصل في بيت أب العروس ، تتجمع النساء من جماعة المتزوج وتؤدين تفاصيل ( الدّهل )في اليوم الثاني لوصول العروس . وفي المقابل يبدأ جماعة المتزوج في ملاحظة العريس ملاحظة دقيقة لمعرفة فيما إذا كان قد تعرّض لخدوش وكدمات من الضيفة الجديدة !!!! .
عند تحديد وقت رحيل الضيوف يحلّ بالمتزوج قارعة أخرى وهي تقديم ( الكسوة ) لأب وأقارب العروس . والكسوة عبارة عن ملابس وفلوس ، وقد تحصل خلافات ومناقشات حادّة تنتهي بالرضى أو العكس، وغالبا ما يكون التراضي هو المهيمن .
يقدّم والد أو قريب الزوجة مبلغا من المال في عشية اليوم الثاني يُطلق عليه اسم ( مبدى ) وعلى المتزوج أن يضاعفه وزيادة في اليوم الثالث على اعتبار أنه كسوة .
تبقى أم العروس مع ابنتها سبعة أيام تقريبا ثم يقدّم لها المتزوج ( الكسوة ) وقد ترضى أو تغضب ، ولغضبها قد تغضب ابنتها ، وقد تهرب إلى بيت والدها أو أحد أخوانها ، لذلك يبالغ المتزوج في إرضاء ( عمته ـ حماته ) أم زوجه .
عند رحيل أم الزوجة يشترط أن يرافقها المتزوج إلى منزلها وفي الغالب لم نسمع أن حماة قد رضيت تماما على زوج ابنتها ظناً منها بأنه لم يفها حقها من الكسوة ( نقود وملابس ) .
بعد عشرة أيام تقريبا من تاريخ عودة الأم يأتي أهل الزوجة لزيارة ابنتهم ويحلّون ضيوفا لمدة يوم ويطلقون على تلك الضيافة اسم( التشروفة ) ثم يقدّمون دعوة لزوج ابنتهم ولابنتهم وأقارب الزوج وتسمى تلك الضيافة ( دخلة العرس ) .
برغم فداحة الخسارة المالية التي يتكبدها المتزوج ، ومع ما يعانيه وأهله من تعب شديد ، وإرهاق عنيف ، إلا أنه يعتبر كاسبا بصورة كبيرة للمرأة التي حلّت داره لما لها من تأثير إيجابي في دفع مسيرة الحياة لديه للأفضل في ذلك الزمان .
__________________
[poem font="Arial,4,white,bold,normal" bkcolor="firebrick" bkimage="" border="none,1," type=2 line=0 align=center use=sp]أُحٍـبُّ مـن الإخـوانٍ كـلَّ مُـواَتـي=وكلَّ غضيضٍ الطرفٍ عن عثَراتي
يـوافقُنـي فـي كــلٍّ أمـرِِِِِ أُرٍيـده=ويـحـفـظـني حيّـاً وبـعـد مـماتي
فـمَـن لـي بهذا ؟ليت أَني أصبتـُهُ= َـقَـاسـمتُـه مـا لـي مـن الحـسنـات
تصفّحـتُ إخوانــي فـكـان أقلُّـهـُـم=علـى كثـرةٍ الإخــوان أهـلُ ثٍقَـاتـي[/poem]